ويعاملون معاملة المسلمين ، وكان الذي له الحق من اليهود الذين لم يتركوا مسلكا لمحاربة الدعوة الإسلامية إلا سلكوه والذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك أنكروه وحاربوه .
فهل رأيت - أخي القارئ - عدالة تقترب من هذه العدالة في سموها ونقائها واستقامة منهجها ؟
إن هذه الآيات لتشهد بأن هذا القرآن من عند اللَّه ، لأن البشر مهما استقامت طبائعهم ، فإنهم ليس في استطاعتهم أن يصلوا إلى هذا المستوي الرفيع الذي تشير إليه الآيات ، والذي يكشف لكل عاقل أن هذا القرآن من عند اللَّه ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّه لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن كثيرا من كلام الناس لا خير فيه ، وأن العاقل هو الذي يحرص على القول النافع والعمل الطيب . وأن الذين يتبعون الطريق المخالف لطريق الحق سينالهم عذاب شديد من خالقهم فقال - سبحانه - :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 114 إلى 115 ]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّه فَسَوْفَ نُؤْتِيه أَجْراً عَظِيماً ( 114 ) ومَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَه الْهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّه ما تَوَلَّى ونُصْلِه جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيراً ( 115 )
وقوله - تعالى - : * ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) * . إشارة إلى ما جبل عليه كثير من الناس من إخفاء الأقوال أو الأعمال التي فيها شر ومضرة ، ومن إعلان الأقوال أو الأفعال التي من ورائها خير ومنفعة . وقوله * ( نَجْواهُمْ ) * أي :
مما يتناجى به الناس ويتكلمون فيه . والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة . يقال : نجوته نجوا
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 306
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٠٦