وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر ثم بين - سبحانه - المصير السيئ الذي ينتظر أولئك الذين يرتكبون السوء ثم يرمون به غيرهم فقال : ومَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِه بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وإِثْماً مُبِيناً .
وقد قيل : إن الخطيئة والإثم هنا بمعنى واحد وقد جيء بهما على اختلاف لفظيهما للتأكيد المعنوي . ولم يرتض كثير من العلماء هذا القيل بل قالوا هما متغايران . وأن المراد بالخطيئة :
المعصية الصغيرة . والمراد بالإثم : المعصية الكبيرة . وقال آخرون : الفرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد . والإثم لا يكون إلا عن عمد .
ويبدو لنا من تعبير القرآن عن الخطيئة أن المراد بها الذنوب التي يرتكبها صاحبها عن استهانة وعدم اكتراث ، لأنه لكثرة ولوغه في الشرور صار يأتيها بلا مبالاة . قال - تعالى - بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وأَحاطَتْ بِه خَطِيئَتُه وقال - تعالى - مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً .
وأن المراد بالإثم هنا : الذنوب التي يرتكبها الإنسان عن تعمد وإصرار فتؤدى به إلى الإبطاء عن الاتجاه إلى اللَّه بالاستغفار والتوبة ، لأن الإثم كما يقول الراغب - : اسم للأفعال المبطئة عن الثواب « 1 » .
والبهتان كما يقول القرطبي من البهت - بمعنى الدهش والتحير من فظاعة ما رمى به الإنسان من كذب - وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه برئ . وروى مسلم عن أبي هريرة رضى اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال . أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا اللَّه ورسوله أعلم . قال . ذكرك أخاك بما يكره قال . أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته . وإن لم يكن فيه فقد بهته . ثم قال القرطبي وهذا نص . فرمى البريء بهت له . يقال . بهته بهتا وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله « 2 » .
والمعنى : « ومن يكسب خطيئة » أي ذنبا من الذنوب التي يرتكبها صاحبها عن استهانة لكثرة تعوده على ارتكاب السيئات ، أو يرتكب إِثْماً من الآثام التي تبطئه عن رضا اللَّه ورحمته « ثم يرم به بريئا » أي : ينسبه إلى غيره من الأبرياء مع أنه هو الذي اقترفه فَقَدِ احْتَمَلَ أي : فقد تحمل بسبب فعله ذلك بُهْتاناً أي كذبا يجعل من رمى به في حيرة ودهشة ، وتحمل أيضا إِثْماً مُبِيناً أي ذنبا واضحا بينا لا خفاء فيه يؤدى به إلى غضب اللَّه وسخطه .
قال الجمل وقوله ( به ) في هذه الهاء أقوال :
هامش
( 1 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 10
( 2 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 381