أما المعروف وهو النوع الثاني من التناجي المحمود فهو - كما يقول القرطبي لفظ يعم كل أعمال البر . ففي الحديث الشريف ( كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق ) وقال علي بن أبي طالب : ( لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره ، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الجاحد ) .
وقال الماوردي : ينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته ، ويبادر به خيفة عجزه ، وليعلم أنه من فرض زمانه ، وغنائم إمكانه ، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه ، فكم من واثق بالقدرة ففاتت فأعقبت ندما .
وروى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح - أي التعجيل - ومن شرط المعروف ترك الامتنان به ، وترك الإعجاب بفعله . لما فيهما من إسقاط الشكر ، وإحباط الأجر . قال بعض الشعراء :
زاد معروفك عندي عظما
أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته
وهو عند الناس مشهور خطير « 1 »
والأمة التي يفشو فيها قول المعروف وفعله ، تسودها السعادة ، وتظلها المحبة والمودة والرحمة .
وأما الإصلاح بين الناس فهو فريضة اجتماعية يقوم بها من صفت نفوسهم وقويت عزائمهم ، ورسخ إيمانهم .
وقد حض القرآن على الإصلاح بين الناس سواء أكانوا جماعات أم أفرادا لأن التخاصم والتنازع يؤدى إلى انتشار العداوات والمفاسد بين الناس . قال - تعالى - : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ واتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التي تحض على الإصلاح بين الناس ومن ذلك ما رواه ابن مردويه عن محمد بن يزيد بن حنيش قال : دخلنا على سفيان الثوري نعوده . فدخل علينا سعيد بن حسان فقال له الثوري الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح أردده على .
فقال : حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة قالت : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « كلام ابن آدم كله عليه لا له . إلا ذكر اللَّه - تعالى - أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر » . فقال سفيان : أو ما سمعت اللَّه في كتابه يقول : * ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) * . فهو هذا بعينه .
وروى الجماعة - سوى ابن ماجة - عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 384 بتصرف وتلخيص .