ما يضرونك بأي قدر من الضر . لأنك إنما قضيت بينهم بما هو الظاهر من أحوالهم ، وهو الذي تحكم بمقتضاه ، أما الأمور الخفية التي تخالف الحق فمرجع علمها إلى اللَّه وحده .
ومِنْ في قوله مِنْ شَيْءٍ زائدة لتأكيد النفي . وشئ أصله النصب على أنه مفعول مطلق لقوله يَضُرُّونَكَ . أي : وما يضرونك شيئا من الضرر وقد جر لأجل حرف الجر الزائد .
وقوله وأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْكَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّه عَلَيْكَ عَظِيماً معطوف على قوله وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ لزيادة التقرير ، ولزيادة بيان ما وهبه اللَّه - تعالى - لنبيه من خير ورعاية وعصمة أي : أن اللَّه - تعالى - قد امتن عليك يا محمد بأن أنزل عليك القرآن الذي يهدى للتي هي أقوم ، وأنزل عليك الحكمة أي العلم النافع الذي يجعلك تصيب الحق في قولك وعملك « وعلمك ما لم تكن تعلم » من أخبار الأولين والآخرين ، ومن خفيات الأمور ، ومن أمور الدين والشرائع .
وكانَ فَضْلُ اللَّه عَلَيْكَ عَظِيماً أي وكان فضل اللَّه عليك عظيما عظما لا تحده عبارة ، ولا تحيط به إشارة .
فالآية الكريمة فيها ما فيها من التنويه بشأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومن مظاهر فضل اللَّه عليه ورحمته به .
وبعد فإن المتأمل في هذه الآيات الكريمة ، ليراها تهدى الناس إلى ما يسعدهم في كل زمان ومكان متى اتبعوا توجيهاتها وإرشاداتها .
إنها تأمرهم في شخص نبيهم صلى اللَّه عليه وسلم أن يلتزموا الحق في كل أقوالهم وأعمالهم ، حتى ولو كان الذي عليه الحق من أقرب الناس إليهم ، وكان الذي له الحق من أعدى أعدائهم ، وتنهاهم عن الدفاع عن الخائنين الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللَّه ، وتبين لهم أن دفاعهم عنهم لن يفيده أمام اللَّه - تعالى - .
ثم تفتح للعصاة باب التوبة لكي يفيئوا إلى رشدهم ويعودوا إلى طاعة ربهم وتخبرهم أن شؤم المعصية سيعود إليهم وحدهم . . . وتنبههم إلى أن من أشد الذنوب عند اللَّه - تعالى - أن يفعل الشخص فاحشة ثم يقذف بها غيره .
ثم تسوق الآيات في ختامها جانبا من فضل اللَّه على نبيه ورحمته به ، لكي يزداد ثباتا واطمئنانا « ويزداد أعداؤه خوفا وضعفا واضطرابا .
وهكذا نرى الآيات الكريمة تهدى الناس إلى الحق الذي لا يميل مع الهوى ، ولا مع العصبية . ولا يترجح مع الحب أو البغض حتى ولو كان الذي عليه الحق ممن يظهرون الإسلام
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 305
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٠٥