ونجوى وناجيته مناجاة . أي : ساررته بكلام على انفراد . وأصله : أن تعلو بمن تناجيه بسر معين في نجوة من الأرض . أي في مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله . وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشيء فيه معاونة على النجاة . وتطلق النجوى على القوم المتناجين كما في قوله - تعالى - نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِه إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وإِذْ هُمْ نَجْوى .
والضمير في قوله * ( مِنْ نَجْواهُمْ ) * يعود إلى الناس جميعا ، ويدخل فيه أولئك الذين كانوا يختانون أنفسهم ومن على شاكلتهم دخولا أوليا .
والمعروف - كما يقول الآلوسي - هو كل ما عرفه الشرع واستحسنه ، فيشمل جميع أنواع البر كقرض وإغاثة ملهوف وإرشاد ضال إلى غير ذلك . ويراد به هنا ما عدا الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله - تعالى - * ( أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) * « 1 » .
والمعنى : لا خير في كثير من الكلام الذي يتناجى فيه الناس ، ويتحدثون به سرا ، إلا في نجوى من أمر غيره سرا بصدقة يزكى بها ماله ، وينفع بها المحتاج إليها ، أو من أمر غيره بالإكثار من أعمال البر ، أو القيام بالإصلاح بين الناس المتخاصمين لكي يعودوا إلى ما كانوا عليه من الألفة والإخاء والصفاء .
قال الجمل : وقوله * ( إِلَّا مَنْ أَمَرَ ) * . في هذا الاستثناء قولان :
أحدهما : متصل والثاني : أنه منقطع . وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يراد بها المصدر كالدعوى فتكون بمعنى التناجي أي التحدث . وأن يراد بها القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا .
فعلى الأول يكون منقطعا ، لأن من أمر ليس مناجاة ، فكأنه قيل : لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا . وقوله * ( إِلَّا مَنْ أَمَرَ ) * . إما منصوب على الاستثناء المنقطع إن جعلته منقطعا في لغة الحجازيين . أو على أصل الاستثناء إن جعلته متصلا . وإما مجرور على البدل من كثير ، أو من نجواهم ، أو صفة لأحدهما « 2 » .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أخرجت من التناجي المذموم ثلاث خصال هي جماع الخير ، وذلك لأن الصدقة التي يخرجها الإنسان تكون سببا في تزكية ماله ، وحسن ثوابه ، ونشر المحبة والمودة بين الناس .
والتعبير بقوله * ( إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ) * يفيد الدعوة إليها ، والحث على بذلها سرا ما دامت المصلحة تقتضي ذلك .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 5 ص 144 .
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 424 .