تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وقوله - تعالى - والَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ . والَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ . والَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ . أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ « 1 » . وأما الأحاديث فمنها ما رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم » . وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) . وقوله : * ( وإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) * أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم . وقوله * ( حَكَمْتُمْ ) * من الحكم ومعناه الفصل بين المتنازعين ، وإظهار الحق لصاحبه . وقوله * ( بِالْعَدْلِ ) * أي بالحق الذي أوجبه اللَّه عليكم . وأصل العدل : التسوية . يقال : عدل كذا بكذا أي سواه به . قال الجمل وقوله : * ( وإِذا حَكَمْتُمْ ) * إذا معمول لمقدر على مذهب البصريين من أن ما بعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها والتقدير : وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس . أو معمول للمذكور على مذهب الكوفيين من إجازة عمل ما بعد أن فيما قبلها « 2 » . والمعنى : وكما أمركم اللَّه - تعالى - أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أهلها ، فإنه يأمركم - أيضا - إذا حكمتم بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائما على الحق والعدل ، فإن اللَّه - تعالى - ما أقام ملكه إلا عليهما ، ولأن الأحكام إذا صاحبها الجور والظلم أدت إلى شقاء الأفراد والجماعات . قال بعض العلماء : يرى بعضهم : أن الخطاب في هذا النص موجه إلى الذين يحكمون ، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم . ولا مانع عندنا من أن يكون الخطاب موجها إلى الأمة كلها ، لأن الأمة العزيزة التي تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر ، هي محكومة ومحكمة . فهي التي تختار حاكمها وهي في هذا محكمة ، مطلوب منها العدل ، فلا تختار لهوى أو لعطاء أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها . وهي محكمة في حاكمها فلا تقول فيه إلا حقا ، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه ، ولا تشتط في نقده ، ولا تسكن عن نصيحته ، فإن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : الدين النصيحة : للَّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة المعارج الآيات من 32 - 35 ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 294 . ( 3 ) تفسير الآية الكريمة للأستاذ الشيخ محمد أبو زهره . مجلة لواء الإسلام السنة 15 العدد الرابع .