تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وبعد أن أمر - سبحانه بأداء الأمانة وبالحكم بالعدل عقب ذلك بأمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وولاة أمورهم فقال - تعالى - : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) * . وطاعة اللَّه وطاعة رسوله متلازمتان . قال - تعالى - : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّه . ومعنى طاعتهما : التزام أوامرهما ، واجتناب نواهيهما . والمراد بأولى الأمر - على الراجح - الحكام . وطاعتهم إنما تكون في غير معصية اللَّه ، فإذا أمروا بما يتنافى مع تعاليم الدين فلا سمع لهم على الأمة ولا طاعة . وإنما أمرنا اللَّه - تعالى - بطاعتهم في غير معصية ، لأنهم هم المنفذون لتعاليم الشريعة ، وهم الذين بيدهم مقاليد الأمة التي يقومون على رعاية مصالحها ، ولأن عدم طاعتهم يؤدى إلى اضطراب أحوال الأمة وفسادها . قال صاحب الكشاف : والمراد ( بأولى الأمر منكم ) : أمراء الحق ، لأن - أمراء الجور - اللَّه ورسوله بريئان منهم ، فلا يعطفون على اللَّه ورسوله بوجوب الطاعة لهم . وإنما يجمع بين اللَّه ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما . والنهى عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان . وكان الخلفاء يقولون : أطيعونى ما عدلت فيكم . فان خالفت فلا طاعة لي عليكم ، وعن أبي حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له : ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله * ( وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) * فقال له : أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله : * ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى اللَّه والرَّسُولِ ) * . وقيل هم العلماء الدينيون الذين يعلمون الناس ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر « 1 » . وأعاد - سبحانه - الفعل * ( أَطِيعُوا ) * مع الرسول فقال : * ( أَطِيعُوا اللَّه وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) * ولم يعده مع أولي الأمر ، للإشارة إلى استقلال الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بالطاعة حتى ولو كان ما يأمر به ليس منصوصا عليه في القرآن ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، وللإيذان بأن طاعة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أعلى من طاعة أولي الأمر . وقوله * ( مِنْكُمْ ) * في محل نصب على الحال من أولي الأمر . أي : أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر حالة كونهم كائنين منكم أي من دينكم وملتكم . وفي ذلك إشارة إلى أنه لا طاعة لمن يتحكمون في شؤون المسلمين ممن ليسوا على ملتهم .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 524