تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
احترقت جلودهم وتلاشت أعطيناهم بدل الجلود المحترقة جلودا غير محترقة مغايرة للمحترقة . فالتبديل على هذا تبديل حقيقي مادي . بمعنى أن يخلق اللَّه - تعالى - مكان الجلود المحترقة جلودا أخرى جديدة مغايرة للمحترقة . ويرى بعضهم أن الجملة الكريمة كناية عن دوام العذاب لهم . وقد ذكر هذا الرأي الفخر الرازي فقال : ويمكن أن يقال : هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع . كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهى فقد ابتدأ . وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله . فكذا قوله * ( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) * . يعنى : كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك ، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة . فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه ) « 1 » . والذي نراه أن حمل التبديل على حقيقته أولى ، لأنه ليس لنا أن نعدل في كلام اللَّه عن الحقيقة إلى المجاز ، إلا عند الضرورة . وهنا لا ضرورة لذلك ، لأن تبديل الجلود داخل تحت قدرة اللَّه - تعالى - ولأن هذا المعنى الذي ذكره الإمام الرازي يتأتى مع حمل اللفظ على حقيقته إذ كلمة « كل » تدل على دوام العذاب وعدم انقطاعه ، ولأن كثيرا من السلف قد فسروا الآية على الوجه الأول ، فقد روى عن ابن عمر أنه قال : تلا رجل عند عمر هذه الآية قال : فقال عمر : أعدها على . فأعادها . فقال معاذ بن جبل : عندي تفسيرها : تبدل جلودهم في كل ساعة مائة مرة . فقال عمر : هكذا سمعت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . وقوله * ( لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) * جملة تعليلية لقوله * ( بَدَّلْناهُمْ ) * أي بدلناهم جلودا غيرها ليقاسوا شدة العذاب ، وليحسوا به في كل مرة كما يحس الذائق للشيء الذي يذوقه . وقوله * ( إِنَّ اللَّه كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ) * تذييل قصد به تأكيد التهديد والوعيد الذي اشتملت عليه الآية الكريمة . أي : أن اللَّه - تعالى كان وما زال عزيزا لا يغلبه غالب ، ولا يمنع عقابه مانع ( حكيما ) في تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه وإثابة من يثيبه . وقوله * ( والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * بيان لحسن الثواب الذي وعد اللَّه به عباده المؤمنين في مقابلة بيان العقاب الذي أعده للكافرين . وتلك عادة القرآن في تربية النفوس . إنه يسوق عاقبة الكافرين ثم يتبعها بحسن عاقبة المؤمنين أو العكس ، ليحمل العقلاء على الابتعاد عن طريق الكفر والعصيان ، وليغريهم بالسير
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 10 ص 135