تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وقوله : * ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى اللَّه والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا ما حدث بينهم اختلاف في أمر من الأمور الدينية . والمراد بالتنازع هنا : الاختلاف والجدال مأخوذ من النزع بمعنى الجذب . فكأن كل واحد من المختلفين يجذب من غيره الحجة لدليله . . ومنه قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم « مالي أنازع القرآن » أي ينازعني غيرى ويجاذبنى في القراءة . وذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءته فشغله ، فنهاه عن الجهر بالقراءة في الصلاة خلفه « 1 » . والمعنى : فان تنازعتم واختلفتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم في أمر من أمور الدين * ( فَرُدُّوه إِلَى اللَّه والرَّسُولِ ) * أي فردوا ذلك الحكم أو الأمر الذي اختلفتم فيه إلى كتاب اللَّه وإلى رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بأن تسألوه عنه في حياته ، وترجعوا إلى سنته بعد مماته . قال القرطبي : قوله * ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ) * أي تجادلتم واختلفتم في شيء من أمور دينكم * ( فَرُدُّوه إِلَى اللَّه والرَّسُولِ ) * أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب اللَّه أو إلى رسوله بالسؤال في حياته ، أو بالنظر في سنته بعد وفاته . وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة . وهو الصحيح . ومن لم ير هذا اختل إيمانه ، لقوله - تعالى * ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * . وفي قوله * ( فَرُدُّوه إِلَى اللَّه والرَّسُولِ ) * دليل على أن سنته صلى اللَّه عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها . قال صلى اللَّه عليه وسلم « ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم . فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم » . أخرجه مسلم . وروى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ما وجدناه في كتاب اللَّه اتبعناه » . وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول : « أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن اللَّه لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني واللَّه قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر » « 2 » . وقوله * ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * شرط جوابه محذوف عند جمهور البصريين اكتفاء بدلالة المذكور عليه . أي : إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر حق الإيمان فارجعوا فيما تنازعتم فيه من أمور دينية إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله صلى اللَّه عليه وسلم .
هامش
( 1 ) هامش تفسير القرطبي ج 5 ص 261 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 262 - بتصرف وتلخيص