الذّلَّة والافتقار ، الوقوف عند مراسم سيّده ، وحدود أحكامه ، وامتثال أوامره ، فإنّ فارق النظر من كونه أرضا ، فلا يتيّمم إلَّا بالتّراب من ذلك ، لأنّه من تراب خلق من نحن أبناؤه ، وبما بقي فيه من الفقر والفاقة ، من قول العرب : « تربت الرّجل » إذا أفتقر ( 31 ) .
ثمّ إنّ التّراب أسفل العناصر فوقوف العبد مع حقيقته من حيث نشأته ، طهوره من كلّ حدث يخرجه من هذا المقام ، وهذا لا يكون إلَّا بعدم وجدان الماء ، والماء العلم .
فإنّ بالعلم حياة القلوب ، كما بالماء حياة الجسد أو حياة الأرض ، فكأنّه حالة المقلَّد في العلم باللَّه ، والمقلَّد عندنا في العلم باللَّه ، هو الَّذي قلَّد عقله في نظره في معرفته باللَّه من حيث الفكر : ( فكره ) ، فكما أنّه إذا وجد المتيمّم الماء ، أو قدر على استعماله بطل التّيمّم ، كذلك إذا جاء الشّرع بأمر مّا من العلم الإلهي بطل تقليد العقل لنظره في العلم باللَّه في تلك المسألة ، ولا سيّما إذا لم يوافقه في دليله كان الرّجوع بدليل العقل إلى الشّرع ، فهو ذو شرع وعقل معا في هذه المسألة ، فاعلم ذلك .
فإنّه ينفعك كثيرا في إدراك أسرار العبادات .
هامش
( 31 ) قوله : تربت يد الرجل .
قال الطرابلسي في « فرائد اللآلي » ص 110 :فتربت يداك ياراجيه
وبتّ من مكروهه في تيهيقال للرجل إذا قلّ ماله قد ترب أي افتقر حتى لصق بالتراب ، وهي كلمة جارية على ألسنة العرب يقولونها ولا يرون وقوع الأمر ، ومنه الحديث : « عليك بذات الدين تربت يداك » ، وراجع أيضا « مجمع الأمثال » للميداني ج 1 ص 182 ، الرقم 662 .