لاستعمال الباطن وصفائه بقدرها ، لأنّ العلوم الظَّاهرة في المناسبة كالشريعة ، والعلوم الباطنة كالطريقة ، والَّتي فوقهما من المعارف كالحقيقة .
فالسّالك إن لم يتمكّن من القيام والطَّهارة من حيث الطريقة باستعمال الماء الحقيقي الَّذي هو العلوم الحقيقيّة ، يجوز له القيام بالشريعة وطهارة ظاهرة بها ، لأنّ طهارة الظَّاهرة على التدريج يؤدي إلى طهارة الباطن ، ومن هذا أشار إلى علَّة التيمّم وسببه مفصّلا مبينا وقال :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [ النساء : 43 ] .
مِنْه ُ ما يُرِيدُ اللَّه ُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَه ُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ المائدة : 6 ] .
هذا وجه ، وجه آخر وهو :
أنّه تعالى أمر عبده بأنّه يرجع إلى طهارة النّفس بمعاونة البدن الَّذي هو التّراب الطَّيب ، بقيامه بالوظائف الشرعيّة إن لم يتمكّن من طهارة النّفس بمعاونة العقل الَّذي هو كالماء في حصول الطَّهارة الحقيقيّة ، وغرضه من ذلك ليحصل لعبده طهارة الظاهر قبل طهارة الباطن ، لأنّ طهارة الظاهر معدّات ( معدّة ) لطهارة الباطن كما سبق ذكره ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [ المدثر : 4 - 5 ] .
لأنّ المراد بالثياب البدن وما اشتمل عليه من أفعال الظاهر ، وبطهارته الطهارة الشّرعيّة ، وبالرجز تعلَّقه بالدّنيا وتلوّثه بها ، فإنّ الدّنيا جيفة وطالبها
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 52
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٥٢