تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
فإذا قلت : قام القوم إلا زيدا ، فكأنه كان في جملتهم ، ثم خرج منهم ، كقوله تعالى : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس ) ، فإن فيه معنى زائدا على الاستثناء ، هو تعظيم أمر الكبيرة التي أتى بها إبليس ، من كونه خرق إجماع الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم ، وهو بمثابة قولك : أمر الملك بكذا فأطاع أمره جميع الناس ، من أمير ووزير إلا فلانا ، فإن الإخبار عن معصية الملك بهذه الصيغة ، أبلغ من قولك : أمر الملك فعصاه فلان . وفي ضمن ذلك وصف الله سبحانه بالعدل فيما ضربه على إبليس من خزي الدنيا ، وختم عليه من عذاب الآخرة . ومنه قوله تعالى : ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) فإن في الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع ، ليشهد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه . وحكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تعظيم للمدة ، ليكون أول ما يباشر السمع ذكر " الألف " واختصار اللفظ ، فإن لفظ القرآن أخصر من " تسعمائة وخمسين عاما " ، ولأن لفظ القرآن يفيد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة عليه ولا النقص . ومنه قوله تعالى : ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق . خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) فإنه سبحانه لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر ، استثنى من حكم بخلوده في النار بلفظ مطمع ، حيث أثبت الاستثناء المطلق ، وأكده بقوله : ( إن ربك فعال لما يريد ) ، أي أنه لا اعتراض عليه في اخراج أهل الشقاء من النار . ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة أكد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع أصل الاستثناء ، حيث قال : ( عطاء غير