تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١

التقسيم

وليس المراد به القسمة العقلية التي يتكلم عليها المتكلم ، لأنها قد تقتضي أشياء مستحيلة كقولهم : الجواهر لا تخلو إما أن تكون مجتمعة أو متفرقة ، أو لا مفترقة ولا مجتمعة ، أو مجتمعة ومفترقة معا ، أو بعضها مجتمع وبعضها مفترق ، فإن هذه القسمة صحيحة عقلا ، لكن بعضها يستحيل وجوده ، وهو استيفاء المتكلم أقسام الشيء ، بحيث لا يغادر شيئا وهو آلة الحصر ومظنة الإحاطة بالشيء ، كقوله تعالى : ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) فإنه لا يخلو العالم جميعا من هذه الأقسام الثلاثة ، إما ظالم نفسه ، وإما سابق مبادر إلى الخيرات ، وإما مقتصد فيها ، وهذا من أوضح التقسيمات وأكملها . ومثله قوله : ( وكنتم أزواجا ثلاثة . فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة . وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة . والسابقون السابقون ) ، وهذه الآية مماثلة في المعنى للتي قبلها ، وأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم ، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون ، والسابقون هم السابقون بالخيرات . وكذلك قوله تعالى : ( له ما بين أيدينا وما خلفنا ) الآية ، فاستوفى أقسام الزمان ولا رابع لها . وقوله : ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ) إلى قوله ( ما يشاء ) ، وهو في القرآن كثير ، وخصوصا في سورة براءة . ومنه قوله تعالى : ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا ) ، وليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار ، ولا ثالث لهما .
البرهان — صفحة 471 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم