تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
وقوله : ( يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ) ، قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود ، لأنه سبحانه إما أن يفرد العبد بهبة الإناث ، أو بهبة الذكور ، أو يجمعهما له ، أو لا يهب شيئا . وقد جاءت الأقسام في هذه الآية لينتقل منها إلى أعلى منها ، وهي هبة الذكور فيه ، ثم انتقل إلى أعلى منها وهي هبتهما جميعا ، وجاءت كل أقسام العطية بلفظ الهبة ، وأفرد معنى الحرمان بالتأخير ، وقال فيه ( يجعل ) فعدل عن لفظ الهبة للتغاير بين المعاني ، كقوله : ( أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه حطاما ) ، فذكر امتداد إنمائه بلفظ الزرع ، ومعنى الحرمان بلفظ الجعل . وقيل : إنما بدأ سبحانه بالإناث لوجوه غير ما سبق . أحدها : جبرا لهن ، لأجل استثقال الأبوين لمكانهن . الثاني : أن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاء ، لا ما يشاء الأبوان ، فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا ، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء ، فبدأ بذكر الصنف الذي يشاؤه ولا يريده الأبوان غالبا . الثالث : أنه قدم ذكر ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدوهن ، أي هذا النوع الحقير عندكم مقدم عندي في الذكر . الرابع : قدمهن لضعفهن ، وعند العجز والضعف تكون العناية أتم . وقيل : لينقله من الغم إلى الفرج . وتأمل كيف عرف سبحانه الذكور بعد تنكير ، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم ، وجبر نقص المتأخر بالتعريف فإن التعريف تنويه .
البرهان — صفحة 473 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم