وقوله : ( يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا
وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ) ، قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها
الوجود ، لأنه سبحانه إما أن يفرد العبد بهبة الإناث ، أو بهبة الذكور ، أو يجمعهما له ،
أو لا يهب شيئا . وقد جاءت الأقسام في هذه الآية لينتقل منها إلى أعلى منها ، وهي هبة الذكور
فيه ، ثم انتقل إلى أعلى منها وهي هبتهما جميعا ، وجاءت كل أقسام العطية بلفظ الهبة ،
وأفرد معنى الحرمان بالتأخير ، وقال فيه ( يجعل ) فعدل عن لفظ الهبة للتغاير بين المعاني ،
كقوله : ( أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه
حطاما ) ، فذكر امتداد إنمائه بلفظ الزرع ، ومعنى الحرمان بلفظ الجعل .
وقيل : إنما بدأ سبحانه بالإناث لوجوه غير ما سبق .
أحدها : جبرا لهن ، لأجل استثقال الأبوين لمكانهن .
الثاني : أن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاء ، لا ما يشاء الأبوان ، فإن الأبوين
لا يريدان إلا الذكور غالبا ، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء ، فبدأ بذكر الصنف
الذي يشاؤه ولا يريده الأبوان غالبا .
الثالث : أنه قدم ذكر ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدوهن ،
أي هذا النوع الحقير عندكم مقدم عندي في الذكر .
الرابع : قدمهن لضعفهن ، وعند العجز والضعف تكون العناية أتم .
وقيل : لينقله من الغم إلى الفرج .
وتأمل كيف عرف سبحانه الذكور بعد تنكير ، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم ، وجبر
نقص المتأخر بالتعريف فإن التعريف تنويه .
البرهان — صفحة 473
مساهمون: الزركشي
ص٤٧٣