وأما قوله تعالى : ( مثل نوره كمشكاة ) فيمكن أن يكون المشبه به أقوى ،
لكونه في الذهن أوضح ، إذ الإحاطة به أتم .
وأما قوله تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) ، فهو من تشبيه
الغريب بالأغرب ، لأن خلق آدم من خلق عيسى ليكون أقطع للخصم ، وأوقع في
النفس . وفيه دليل على جواز القياس ، وهو رد فرع إلى أصل لشبه ما ، لأن عيسى
رد إلى آدم لشبه بينهما ، والمعنى أن آدم خلق من تراب ولم يكن له أب ولا أم ، فكذلك
خلق عيسى من غير أب .
وقوله : ( كأنهم خشب مسندة ) شبههم بالخشب ، لأنه لا روح فيها ، وبالمسندة
لأنه لا انتفاع بالخشب في حال تسنيده .
* * *
الخامسة : الأصل دخول أداة التشبيه على المشبه به ، وهو الكامل ، كقولك :
ليس الفضة كالذهب ، وليس العبد كالحر ، وقد تدخل على المشبه لأسباب :
منها وضوح الحال ، كقوله تعالى : ( وليس الذكر كالأنثى ) ، فإن الأصل
وليس الأنثى كالذكر ، وإنما عدل عن الأصل ، لأن معنى : ( وليس الذكر ) الذي
طلبت ( كالأنثى ) التي وهبت لها ، لأن الأنثى أفضل منه . وقيل : لمراعاة الفواصل ، لأن
قبله : ( إني وضعتها أنثى ) .
ووهم ابن الزملكاني في " البرهان " حيث زعم أن هذا من التشبيه المقلوب ، وليس
كذلك لما ذكرنا من المعنى .
البرهان — صفحة 426
مساهمون: الزركشي
ص٤٢٦