وقد يخل بذلك مقصود آخر كما في قوله : ( وكان رسولا نبيا ) لأجل السجع
وإذا كان ثبوت شيء أو نفيه يدل على ثبوت آخر أو نفيه ، كان الأولى الاقتصار على
الدال على الآخر ، فإن ذكر فالأولى تأخير الدال .
وقد يخل بذلك لمقصود آخر ، كما في قوله تعالى : ( مال هذا الكتاب لا يغادر
صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) وعلى قياس ما قلنا ينبغي الاقتصار على صغيرة ،
وإن ذكرت الكبيرة منها فلتذكر أولا .
وكذلك قوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) وعلى ذلك القياس
يكفي " لهما أف " أو يقول " ولا تنهرهما " فلا تقل لهما أف " ، وإنما عدل عن ذلك
للاهتمام بالنهي عن التأفيف ، والعناية بالنهي ، حتى كأنه قال : نهى عنه مرتين : مرة
بالمفهوم ، وأخرى بالمنطوق .
وكذلك قوله تعالى : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) فإن النوم غشية ثقيلة تقع على
القلب تمنعه معرفة الأشياء ، والسنة مما يتقدمه من النعاس ، فلم يكتف بقوله : ( لا تأخذه
سنة ) ، دون ذكر النوم ، لئلا يتوهم أن السنة إنما لم تأخذه لضعفها ، ويتوهم أن
النوم قد يأخذه لقوته ، فجمع بينهما لنفي التوهمين ، أو السنة في الرأس ، والنعاس في العين ، والنوم
في القلب ، تلخيصه هو منزه عن جميع المفترات ، ثم أكد نفي السنة والنوم بقوله : ( له ما في
السماوات وما في الأرض ) لأنه خلقهما بما فيهما ، والمشاركة إنما تقع فيما فيهما ، ومن
يكن له ما فيهما ، فمحال نومه ومشاركته ، إذ لو وجد شيء من ذلك لفسدتا بما فيهما .
وأيضا فإنه يلزم من نفي السنة نفي النوم أنه لم يقل : لا ينام ، وإنما قال : ( لا تأخذه )
البرهان — صفحة 404
مساهمون: الزركشي
ص٤٠٤