مالا تعلمون ) ، وإنما الجواب أن الانتقال للأمدح ترق ، فالمقصود هنا بيان أن
الغيب والشهادة في علمه سواء ، فنزل الترقي في اللفظ منزلة ترق في المعنى ، لإفادة استوائهما
في علمه تعالى . ويوضحه قوله تعالى : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به )
فصرح بالاستواء .
هذا كله في الصفات ، وأما الموصوفات فعلى العكس من ذلك ، فإنك تبدأ
بالأفضل ، فتقول : قام الأمير ونائبه وكاتبه ، قال تعالى : ( والخيل والبغال والحمير
لتركبوها . . . ) الآية ، فقدم الخيل لأنها أحمد وأفضل من البغال ، وقدم البغال على
الحمير لذلك أيضا .
فإن قلت : قاعدة الصفات منقوضة بالقاعدة الأخرى ، وهي أنهم يقدمون الأهم فالأهم
في كلامهم كما نص عليه سيبويه وغيره .
وقال الشاعر :
أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا * وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمها * ودع أمرنا إن المهم المقدم
قلت : المراد بقوله : " فقدم الأهم فالأهم " فيما إذا كانا شيئين متغايرين مقصودين ،
وأحدهما أهم من الآخر ، فإنه يقدم ، وأما تأخر الأمدح في الصفات فذلك فيما إذا كانتا
صفتين لشيء واحد ، فلو أخرنا الأمدح لكان تقديم الأول نوعا من العبث .
هذا كله في صفات المدح ، فإن كانت للذم فقد قالوا : ينبغي الابتداء بالأشد ذما ،
كقوله تعالى : ( من الشيطان الرجيم ) ، قال ابن النفيس : في كتاب
البرهان — صفحة 406
مساهمون: الزركشي
ص٤٠٦