يعنى لا تغلبه ، فكأنه يقول : لا يغلبه القليل ولا الكثير من النوم . والأخذ في اللغة بمعنى
القهر والغلبة ، ومنه سمى الأسير : مأخوذا وأخيذا . وزيدت " لا " في قوله : ( ولا نوم )
لنفيهما عنه بكل حال ، ولولاها لاحتمل أن يقال : لا تأخذه سنة ولا نوم في حال واحدة ،
وإذا ذكرت صفات فإن كانت للمدح فالأولى الانتقال فيها من الأدنى إلى الأعلى ،
ليكون المدح متزايدا بتزايد الكلام ، فيقولون : فقيه عالم ، وشجاع باسل ، وجواد
فياض ، ولا يعكسون هذا لفساد المعنى ، لأنه لو تقدم الأبلغ لكان الثاني داخلا تحته ،
فلم يكن لذكره معنى ، ولا يوصف بالعالم بعد الوصف بالعلام .
وقد اختلف الأدباء في الوصف بالفاضل والكامل : أيهما أبلغ على ثلاثة أقوال :
ثالثهما أنهما سواء .
قال الأقليشي : والحق أنك مهما نظرت إلى شخص ، فوجدته مع شرف العقل
والنفس كريم الأخلاق والسجايا ، معتدل الأفعال وصفته بالكمال ، وإن وجدته وصل
إلى هذه الرتب بالكسب والمجاهدة وإماطة الرذائل وصفته بالفضل ، وهذا يقتضي أنهما
متضادان ، فلا يوصف الشخص الواحد بهما ألا بتجوز .
وقال ابن عبد السلام في قوله تعالى : ( عالم الغيب والشهادة ) إنما قدم الغيب
مع أن علم المغيبات أشرف من المشاهدات ، والتمدح به أعظم ، وعلم البيان يقتضي تأخير
الأمدح . وأجاب بأن المشاهدات له أكثر من الغائب عنا ، والعلم يشرف بكثرة متعلقاته ،
فكان تأخير الشهادة أولى .
وقوله الشيخ : إن المشاهدات له أكثر فيه نظر ، بل في غيبه ما لا يحصى ( ويخلق
البرهان — صفحة 405
مساهمون: الزركشي
ص٤٠٥