تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
وقوله حكاية عن إبراهيم : ( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) فإنه لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه ، حيث لم يصرح فيه بأن العذاب لاحق له ، ولكنه قال : ( إني أخاف ) فذكر الخوف والمس ، وذكر العذاب ونكره ولم يصفه بأنه يقصد التهويل بل قصد استعطافه ، ولهذا ذكر " الرحمن " ولم يذكر " المنتقم " ولا " الجبار " على ، حد قوله : فما يوجع الحرمان من كف حارم * كما يوجع الحرمان من كف رازق ومنه قوله تعالى : ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ) ، فإنه قد يقال : ما الحكمة في التعبير بالسخرية دون الاستهزاء ؟ وهلا قيل : " فحاق بالذين استهزؤا بهم " ليطابق ما قبله ؟ والجواب أن الاستهزاء هو إسماع الإساءة ، والسخرية قد تكون في النفس ولهذا يقولون : سخرت منه كما يقولون : عجبت منه ، ولا يقال : تجنب ذلك لما في ذلك من تكرار الاستهزاء ثلاث مرات ، لأنه قد كرر السخرية ثلاثا في قوله تعالى : ( إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ) ، وإنما لم يقل : " نستهزئ بكم " لأن الاستهزاء ليس من فعل الأنبياء . وأما قوله : ( الله يستهزئ بهم ) فالعرب تسمى الجزاء على الفعل باسم الفعل ، كقوله : ( نسوا الله فنسيهم ) ، وهو مجاز حسن ، وأما الاستهزاء الذي نحن بصدده فهو استهزاء حقيقة ، لا يرضى به إلا جاهل . ثم قال سبحانه : ( فحاق بالذين سخروا منهم ) ، أي حاق بهم من الله الوعيد