تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
المفعول الذي يعدى إليه بحرف الجر . وهذا أمر يرجع إلى تحسين اللفظ ، وأما المعنى فعلى نظم الآية ، لأنه لما كان الأول حريصا على التعدي على الغير قدم المتعدى على الآلة ، فقال : إلى يدك ، ولما كان الثاني غير حريص على ذلك ، لأنه نفاه عنه ، قدم الآلة فقال : " يدي إليك " ، ويدل لهذا أنه عبر عن الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم . ويؤيد ذلك أيضا قوله في سورة الممتحنة : ( إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم ) ، لأنه لما نسبهم للتعدي الزائد قدم ذكر المبسوط إليهم على الآلة ، وذلك الجواب السابق لا يمكن في هذه الآية . ومثله قوله : ( ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) ، مقتضى الصناعة أن يؤتى بالتجنيس للازدواج في صدر الآية ، كما أتى به في عجزها ، لكن منعه توخى الأدب والتهذيب في نظم الكلام ، وذلك أنه لما كان الضمير الذي في " يجزي " عائدا على الله سبحانه ، وجب أن يعدل عن لفظ المعنى الخاص إلى رديفه ، حتى لا تنسب السيئة إليه سبحانه ، فقال في موضع السيئة : " بما عملوا " ، فعوض عن تجنيس المزاوجة بالإرداف لما فيه من الأدب مع الله ، بخلاف قوله : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ، فإن هذا المحذور منه مفقود ، فجرى الكلام على مقتضى الصناعة . ومنه قوله تعالى : ( وأنه هو رب الشعرى ) ، فإنه سبحانه خص الشعري بالذكر دون غيرها من النجوم ، وهو رب كل شيء ، لأن العرب ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة عبد الشعري ، ودعا خلقا إلى عبادتها . وقوله : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) ، ولم يقل : " لا تعلمون " لما في الفقه من الزيادة على العلم .
البرهان — صفحة 380 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم