تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
ولما أراد غير ذلك قال : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) ، لما كانت جميع الألفاظ مستعملة . ومنه قوله تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) ، فإنه سبحانه لما نهى عن الركون إلى الظالمين ، وهو الميل إليهم والاعتماد عليهم ، وكان دون ذلك مشاركتهم في الظلم ، أخبر أن العقاب على ذلك دون العقاب على الظلم ، وهو مس النار الذي هو دون الإحراق والاضطرام ، وإن كان المس قد يطلق ويراد به الإشعار بالعذاب . ومنه قوله تعالى : ( لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) ، فإنه نشأ في الآية سؤال ، وهو أن الترتيب في الجمل الفعلية تقديم الفعل وتعقيبه بالفاعل ، ثم بالمفعول ، فإن كان في الكلام مفعولان : أحدهما يعدى وصول الفعل إليه بالحرف ، والآخر بنفسه ، قدم ما تعدى إليه الفعل بنفسه ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) . إذا ثبت هذا ، فقد يقال : كيف توخى حسن الترتيب في عجز الآية دون صدرها ؟ والجواب أن حسن الترتيب منع منه في صدر الآية مانع أقوى ، وهو مخافة أن يتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخرج ، فيثقل الكلام بسبب ذلك ، فإنه لو قيل " لئن بسطت يدك إلى " والطاء والتاء متقاربة المخرج ، فلذلك حسن تقديم المفعول الذي تعدى الفعل إليه بالحرف على الفعل الذي تعدى إليه بنفسه ، ولما أمن هذا المحذور في عجز الآية لما اقتضته البلاغة من الإتيان باسم الفاعل موضع الجملة الفعلية ، لتضمنه معنى الفعل الذي تصح به المقابلة ، جاء الكلام على ترتيبه ، من تقديم المفعول الذي تعدى الفعل إليه بنفسه ، على