تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨

مشاكلة اللفظ للمعنى

ومتى كان اللفظ جزلا كان المعنى كذلك ، ومنه قوله تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ) ، ولم يقل من " طين " كما أخبر به سبحانه في غير موضع : ( إني خالق بشرا من طين ) إنما عدل عن الطين الذي هو مجموع الماء والتراب إلى ذكر مجرد التراب لمعنى لطيف ، وذلك أنه أدنى العنصرين وأكثفهما ، لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الإلهية أتى بما يصغر أمر خلقه عند من ادعى ذلك ، فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب أمس في المعنى من غيره من العناصر ، ولما أراد سبحانه الامتنان على بني إسرائيل أخبرهم أن يخلق لهم من الطين كهيئة الطير ، تعظيما لأمر ما يخلقه بإذنه ، إذ كان المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به . ومنه قوله تعالى : ( والله خلق كل دابة من ماء ) فإنه سبحانه إنما اقتصر على ذكر الماء دون بقية العناصر ، لأنه أتى بصيغة الاستغراق ، وليس في العناصر الأربع ما يعم جميع المخلوقات إلا الماء ، ليدخل الحيوان البحري فيها . ومنه قوله تعالى : ( تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ) ، فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها ، فإن " والله " و " بالله " أكثر استعمالا وأعرف من " تالله " لما كان الفعل الذي جاور القسم أغرب الصيغ التي في بابه ، فإن " كان " وأخواتها أكثر استعمالا من " تفتأ " ، وأعرف عند العامة ، ولذلك أتى بعدها بأغرب ألفاظ الهلاك بالنسبة ، وهي لفظة " حرض " ،