وفيه أنهم يبدون بين يدي كل دعاء له سبحانه ومناجاة له صفات عظمته لمخاطبته
على الأدب والتعظيم ، لا عن الغفلة والإغفال ، ولا عن اللعب والاستخفاف ، كمن
يدعو بلا نية أو على تلعب وغفلة ، وهم كثير .
ومنه أن مناجاته لا تصعد إلا إذا تطهر من أدناس الجهالة به ، كما لا تسجد الأعضاء إلا
بعد التطهير من حدث الأجسام ، ولذلك قدمت الاستعاذة على القرآن .
قال الزمخشري : وكما في قوله تعالى : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا
الله واستغفر لهم الرسول ) ، ولم يقل " واستغفرت لهم " [ وعدل عنه إلى طريق
الالتفات ] لأن في هذا الالتفات بيان تعظيم استغفاره ، وأن شفاعة من اسمه
الرسول بمكان .
* * *
ومنها : التنبيه على ما حق الكلام أن يكون واردا عليه ، كقوله تعالى : ( ومالي لا أعبد
الذي فطرني وإليه ترجعون ) ، أصل الكلام " وما لكم لا تعبدون الذي
فطركم " ولكنه أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه ، وهو يريد مناصحتهم ، ليتلطف
بهم ، ويريهم أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه ، ثم لما انقضى غرضه من ذلك ، قال :
( وإليه ترجعون ) ليدل على ما كان من أصل الكلام ، ومقتضيا له ، ثم ساقه هذا
المساق إلى أن قال : ( آمنت بربكم فاسمعون ) .
* * *
ومنها : أن يكون الغرض به التتميم لمعنى مقصود للمتكلم ، فيأتي به محافظة على تتميم
البرهان — صفحة 328
مساهمون: الزركشي
ص٣٢٨