تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
وقيل : إنما اختير للحمد لفظ الغيبة ، وللعبادة الخطاب ، للإشارة إلى أن الحمد دون العبادة في الرتبة ، فإنك تحمد نظيرك ولا تعبده ، إذ الانسان يحمد من لا يعبده ، ولا يعبد من لا يحمده ، فلما كان كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر فقال : " الحمد لله " ولم يقل " الحمد لك " ، ولفظ العبادة مع الخطاب فقال : ( إياك نعبد ) لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة ، على ما هو أعلى رتبة ، وذلك على طريق التأدب . وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال : ( الذين أنعمت عليهم ) مصرحا بذكر المنعم ، وإسناد الإنعام إليه لفظا ولم يقل " صراط المنعم عليهم " ، فلما صار إلى ذكر الغضب روى عنه لفظ الغضب في النسبة إليه لفظا ، وجاء باللفظ متحرفا عن ذكر الغاضب ، فلم يقل " غير الذين غضبت عليهم " ، تفاديا عن نسبة الغضب في اللفظ حال المواجهة . ومن هذا قوله : ( الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ) ، فإن التأدب في الغيبة دون الخطاب . وقيل : لأنه لما ذكر الحقيق بالحمد ، وأجرى عليه بالصفات العظيمة من كونه ربا للعالمين ورحمانا ورحيما ، ومالكا ليوم الدين ، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بأن يكون معبودا دون غيره ، مستعانا به ، فخوطب بذلك لتميزه بالصفات المذكورة ، تعظيما لشأنه كله ، حتى كأنه قيل : إياك ، يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة لا غيرك . قيل : ومن لطائف التنبيه على أن مبتدأ الخلق الغيبة منهم عنه سبحانه ، وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته ، وقيام حجاب العظمة عليهم ، فإذا عرفوه بما هو له ، وتوسلوا للقرب بالثناء عليه ، وأقروا بالمحامد له وتعبدوا له بما يليق بهم ، تأهلوا لمخاطباته ومناجاته فقالوا : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) .