تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
لما في ذلك من تنشيط السامع ، واستجلاب صفائه ، واتساع مجاري الكلام ، وتسهيل الوزن والقافية . وقال البيانيون : إن الكلام إذا جاء على أسلوب واحد وطال حسن تغيير الطريقة . ونازعهم القاضي شمس الدين بن الجوزي وقال : الظاهر أن مجرد هذا لا يكفى في المناسبة ، فإنا رأينا كلاما أطول في هذا ، والأسلوب محفوظ ، قال تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات . . . ) إلى أن ذكر عشرة أصناف ، وختم ب‍ ( الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) ، ولم يغير الأسلوب ، وإنما المناسبة أن الانسان كثير التقلب ، وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبه كيف يشاء ، فإنه يكون غائبا فيحضر بكلمة واحدة ، وآخر يكون حاضرا فيغيب ، فالله تعالى لما قال : ( الحمد لله رب العالمين ) تنبه السامع وحضر قلبه ، فقال : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) . وأما الخاصة فتختلف باختلاف محاله ومواقع الكلام فيه على ما يقصده المتكلم . * * * فمنها قصد تعظيم شأن المخاطب ، كما في : ( الحمد لله رب العالمين ) ، فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه بقوله : " الحمد لله " الدال على اختصاصه بالحمد وجد من نفسه التحرك للإقبال عليه سبحانه ، فإذا انتقل إلى قوله : ( رب العالمين ) الدال على ربوبيته لجميعهم قوى تحركه ، فإذا قال : ( الرحمن الرحيم ) الدال على أنه منعم بأنواع النعم ، جليلها وحقيرها تزايد التحرك عنده ، فإذا وصل ل‍ ( مالك يوم الدين ) وهو خاتمة الصفات الدالة على أنه مالك الأمر يوم الجزاء ، فيتأهب قربه ، وتيقن الإقبال عليه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات .