وأنه في كلامه ليس ممن يتلون ويتوجه ، فيكون في المضمر ونحوه ذا لونين ، وأراد
بالانتقال إلى الغيبة الإبقاء على المخاطب ، من قرعه في الوجه بسهام الهجر ، فالغيبة
أروح له ، وأبقى على ماء وجهه أن يفوت ، كقوله : ( إنا أعطيناك الكوثر . فصل
لربك ) ، حيث لم يقل " لنا " تحريضا على فعل الصلاة لحق الربوبية .
وقوله : ( فيها يفرق كل أمر حكيم . أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين . رحمة
من ربك إنه هو السميع العليم ) .
وقوله : ( يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا . . . ) إلى قوله : ( فآمنوا بالله
ورسوله ) ، ولم يقل : " بي " .
وله فائدتان : إحداهما دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها ، والثاني تنبيههم على استحقاقه
الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة ، من النبوة والأمية ، التي هي أكبر دليل
على صدقه ، وأنه لا يستحق الاتباع لذاته ، بل لهذه الخصائص .
الثالث
من الخطاب إلى التكلم
كقوله : ( فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا . إنا آمنا بربنا ) ،
وهذا إنما يتمشى على قول من لم يشترط أن يكون المراد بالالتفات واحدا ، فأما من اشترطه
فلا يحسن أن يمثل به ، ويمكن أن يمثل بقوله تعالى : ( قل الله أسرع مكرا إن رسلنا
يكتبون ما تمكرون ) على أنه سبحانه نزل نفسه منزلة المخاطب .
البرهان — صفحة 317
مساهمون: الزركشي
ص٣١٧