تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
وأنه في كلامه ليس ممن يتلون ويتوجه ، فيكون في المضمر ونحوه ذا لونين ، وأراد بالانتقال إلى الغيبة الإبقاء على المخاطب ، من قرعه في الوجه بسهام الهجر ، فالغيبة أروح له ، وأبقى على ماء وجهه أن يفوت ، كقوله : ( إنا أعطيناك الكوثر . فصل لربك ) ، حيث لم يقل " لنا " تحريضا على فعل الصلاة لحق الربوبية . وقوله : ( فيها يفرق كل أمر حكيم . أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين . رحمة من ربك إنه هو السميع العليم ) . وقوله : ( يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا . . . ) إلى قوله : ( فآمنوا بالله ورسوله ) ، ولم يقل : " بي " . وله فائدتان : إحداهما دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها ، والثاني تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة ، من النبوة والأمية ، التي هي أكبر دليل على صدقه ، وأنه لا يستحق الاتباع لذاته ، بل لهذه الخصائص . الثالث من الخطاب إلى التكلم كقوله : ( فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا . إنا آمنا بربنا ) ، وهذا إنما يتمشى على قول من لم يشترط أن يكون المراد بالالتفات واحدا ، فأما من اشترطه فلا يحسن أن يمثل به ، ويمكن أن يمثل بقوله تعالى : ( قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) على أنه سبحانه نزل نفسه منزلة المخاطب .
البرهان — صفحة 317 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم