تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
لما أخبر عنها بأخبار الآدميين جرى ضميرها على حد من يعقل ، وكذا البواقي . فإن قيل : فقد غلب غير العاقل على العاقل في قوله : ( ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ) فإنه لو غلب العاقل على غير العاقل لأتى ب‍ " من " . فالجواب أن هذا الموضع غلب فيه من يعقل ، وعبر عن ذلك ب‍ " ما " ، لأنها واقعة على أجناس من يعقل خاصة ، كهذه الآية . قوله : ( لله ملك السماوات والأرض وما فيهن ) ، ولم يقل " ومن فيهن " قيل : لأن كلمة " ما " تتناول الأجناس كلها تناولا عاما بأصل الوضع ، و " من " لا تتناول غير العقلاء بأصل الوضع ، فكان استعمال " ما " هنا أولى . وقد يجتمع في لفظ واحد تغليب المخاطب على الغائب ، والعقلاء على غيرهم ، كقوله : ( جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ) ، أي خلق لكم أيها الناس من جنسكم ذكورا وإناثا ، وخلق الأنعام أيضا من أنفسها ذكورا وإناثا ، يذرؤكم ، أي ينبتكم ويكثركم أيها الناس والأنعام ، في هذا التدبير والجعل ، فهو خطاب للجميع ، للناس المخاطبين وللأنعام المذكورة بلفظ الغيبة ، ففيه تغليب المخاطب على الغائب ، وإلا لما صح ذكر الجميع - أعني الناس والأنعام - بطريق الخطاب ، لأن الأنعام غيب ، و [ فيه ] تغليب العقلاء على غيرهم ، وإلا لما صح خطاب الجمع بلفظ " كم " المختص بالعقلاء ، ففي لفظ " كم " تغليبان ، ولولا التغليب لكان القياس أن يقال : يذرؤكم وإياها . هكذا قرره السكاكي والزمخشري . ونوزعا فيه ، بأن جعل الخطاب شاملا للأنعام تكلف لا حاجة إليه ، لأن الغرض إظهار القدرة وبيان الألطاف في حق الناس ، فالخطاب مختص بهم ، والمعنى : يكثركم
البرهان — صفحة 307 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم