تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
لأن الباء للحال والعصبة مستصحبة المفاتح ، لا تستصحبها المفاتح . وفائدته المبالغة ، يجعل المفاتح كأنها مستتبعة للعصبة القوية بثقلها . وقيل : لا قلب فيه ، والمراد - والله أعلم - أن المفاتح تنوء بالعصبة ، أي تميلها من ثقلها . وقد ذكر هذا الفراء وغيره . وقال ابن عصفور : والصحيح ما ذهب إليه الفارسي أنها بالنقل ولا قلب ، والفعل غير متعد ، فصار متعديا بالباء ، لأن " ناء " غير متعد ، يقال : ناء النجم ، أي نهض ، ويقال : ناء ، أي مال للسقوط . فإذا نقلت الفعل بالباء قلت : نؤت به ، أي أنهضته وأملته للسقوط ، فقوله : ( لتنوء بالعصبة ) أي تميلها المفاتح للسقوط لثقلها . قال : وإنما كان مذهب الفارسي أصح ، لأن نقل الفعل غير المتعدي بالباء مقيس ، والقلب غير مقيس ، فحمل الآية على ما هو مقيس أولى . ومنه قوله تعالى : ( خلق الانسان من عجل ) ، أي خلق العجل من الانسان . قاله ثعلب وابن السكيت . قال الزجاج : ويدل على ذلك : ( وكان الانسان عجولا ) . قال ابن جنى : والأحسن أن يكون تقديره : خلق الانسان من العجلة ، لكثرة فعله إياه ، واعتماده له ، وهو أقوى في المعنى من القلب ، لأنه أمر قد اطرد واتسع ، فحمله على القلب يبعد في الصنعة ، ويضعف المعنى . ولما خفي هذا على بعضهم قال : إن العجل هاهنا الطين ، قال : ولعمري إنه في اللغة كما ذكر ، غير أنه ليس المراد هنا إلا نفس العجل ، ألا ترى إلى قوله عقبه : ( سأريكم آياتي فلا تستعجلون ) ، ونظيره قوله : ( وكان الانسان عجولا ) ، وخلق الانسان