سياق تعجيز الشركاء عن الخلق والمشاركة ، وأمر الأرض في ذلك أيسر من السماء بكثير ،
فبدأ بالأرض مبالغة في بيان عجزهم ، لأن من عجز عن أيسر الأمرين كان عن أعظمهما أعجز ،
ثم قال سبحانه : ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) ، فقدم السماوات
تنبيها على عظم قدرته سبحانه ، لأنه خلقها أكبر من خلق الأرض ، كما صرح به في
سور المؤمن ، ومن قدر على إمساك الأعظم كان على إمساك الأصغر أقدر .
فإن قلت : فهلا اكتفى من ذكر الأرض بهذا التنبيه البين ، الذي لا يشك
فيه أحد !
قلت : أراد ذكرها مطابقة ، لأنه على كل حال أظهر وأبين ، فانظر أيها العاقل
حكمة القرآن ، وما أودعه غير من البيان والتبيان ، تحمد عاقبة النظر ، وتنتظر خير منتظر !
* * *
ومن أنواعه أن يقدم اللفظ في الآية ويتأخر فيها ، لقصد أن يقع البداءة والختم به ،
للاعتناء بشأنه ، وذلك كقوله تعالى 6 ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأما الذين
اسودت وجوههم ) .
وقوله : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها . . . ) إلى قوله : ( قل ما عند
الله خير من اللهو ومن التجارة ) .
وكذلك قوله : ( إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم
تكتمون ) فإنه لولا ما أسلفناه ، لقيل : ما تكتمون وتبدون ، لأن الوصف بعلمه
البرهان — صفحة 286
مساهمون: الزركشي
ص٢٨٦