تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وهذا القول - وهو جعل الجملة حالا - قد ذكره جماعة قبل ابن المنير . والظاهر أن الزمخشري لم يرتض هذا القول ، لأن جعل الجملة حالا لا يفيده ما يفيد العطف ، من نفي العوج عن الكتاب مطلقا ، غير مقيد بالإنزال وهو المقصود . فالفائدة التي هي أتم إنما تكون على تقدير استقلال الجملة . كيف والقول بالتقديم والتأخير منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما ! نقله الطبري وغيره . وقال الواحدي : هو قول جميع أهل اللغة والتفسير . والزمخشري ربما لاحظ هذا المعنى ، ولم يمنع جواز غير ما قال ، لكن ما قال هو الأحسن . وقال غير ابن المنير في الاعتراض على الزمخشري : إن الجملة وإن كانت مستقلة فهي في حيز الصلة للعطف ، فلم يقع فصل ، ويؤيد ما ذكره صاحب الكشاف أن بعض القراء يسكت عند قوله : " عوجا " ويفصل بينه وبين " قيما " بسكتة لطيفة ، وهي رواية حفص عن عاصم ، وذلك يحتمل أن يكون لما ذكرنا من تقدير الفصل وانقطاع الكلام عما قبله . قال ابن المنير : وتحتمل السكتة وجها آخر ، وهو أن يكون ذلك لرفع توهم أن يكون " قيما " نعتا للعوج ، لأن النكرة تستدعي النعت غالبا ، وقد كثر في كلامهم إيلاء النكرة الجامدة نعتها ، كقوله : ( صراطا مستقيما ) ، و ( قرآنا عربيا ) ، فإذا ولي النكرة الجامدة اسم مشتق نكرة ظهر فيه معنى الوصف ، فربما خيف اللبس في جعل " قيما " نعتا ل‍ " عوج " ، فوقع اللبس بهذه السكتة . وهذا أيضا فيه نظر ، لأن ذلك إنما يتوهم فيما يصلح أن يكون وصفا ، ولا يصلح " قيما " أن يكون وصفا ل‍ " عوج " فإن الشيء لا يوصف بضده ، لأن العوج لا يكون قيما ، والأولى ما ذكرناه أولا . * * *
البرهان — صفحة 279 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم