كقوله تعالى : ( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في
الحياة الدنيا ) ، بتقديم الحال أعني ( من قومه ) على الوصف ، أعني ( الذين كفروا )
ولو تأخر لتوهم أنه من صفة الدنيا ، لأنها هاهنا اسم تفضيل ، من الدنو ، وليست اسما ،
والدنو يتعدى ب " من " ، وحينئذ يشتبه الأمر في القائلين أنهم أهم : من قومه . أم لا ؟ فقدم
لاشتمال التأخير على الإخلال ببيان المعنى المقصود ، وهو كون القائلين من قومه . وحين
أمن هذا الإخلال بالتأخير قال تعالى في موضع آخر من هذه السورة : ( فقال الملأ
الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم ) ، بتأخير المجرور عن
صفة المرفوع .
* * *
الثالث : أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب ، فيقدم لمشاكلة الكلام ،
ولرعاية الفاصلة ، كقوله : ( واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) ،
بتقديم " إياه " على " تعبدون " لمشاكلة رؤوس الآي ، وكقوله : ( فأوجس في نفسه
خيفة موسى ) ، فإنه لو أخر ( في نفسه ) عن ( موسى ) ، فات تناسب الفواصل ،
لأن قبله : ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) ، وبعده : ( إنك أنت
الأعلى ) .
وكقوله : ( وتغشى وجوههم النار ) ، فإن تأخير الفاعل عن المفعول
لمناسبته لما بعده .
وكقوله : ( إن الله سريع الحساب ) ، وهو أشكل بما قبله ، لأن قبله :
( مقرنين في الأصفاد ) .
البرهان — صفحة 234
مساهمون: الزركشي
ص٢٣٤