تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
أن الله تعالى له الإحياء والإماتة ، وأن إلههم ليس له سمع ولا بصر ، وأن موسى عليه السلام وجد قوما يعانون السقي ، وامرأتين تعانيان الذود ، وأخبرتاه أنا لا نستطيع السقي ، فوجدا من موسى عليه السلام لهما السقي ، ووجد من أبيهما مكافأة على السقي . وهذا مما حذف لظهور المراد ، وأن القصد الإعلام بأنه كان من الناس في تلك الحالة سقى ، ومن المرأتين ذود ، وأنهما قالتا : لا يكون منا سقى حتى يصدر الرعاء ، وأن موسى سقى بعد ذلك ، فأما أن المسقى غنم أو إبل أو غيره فخارج عن المقصود ، لأنه لو قيل : يذودان غنمهما لجاز أن يكون الانكار لم يتوجه من موسى على الذود من حيث هو ذود ، بل من حيث هو ذود غنم ، حتى لو كان ذود إبل لم ينكره . واعلم أنا جعلنا هذا من الضرب الثاني موافقة للزمخشري ، فإنه قال : ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي ، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل . وكذلك قولهما : ( لا نسقي حتى يصدر الرعاء ) ، المقصود منه السقي لا المسقى . وجعله السكاكي من الضرب الأول ، أعني مما حذف فيه للاختصار مع الإرادة . والأقرب قول الزمخشري ، ورجح الجزري قول السكاكي أنه للاختصار ، فإن الغنم ليست ساقطة عن الاعتبار بالأصالة ، فإن فيها ضعفا عن المزاحمة ، والمرأتان فيهما ضعف ، فإذا انضم إلى ضعف المسقى ضعف الساقي ، كان ذلك أدعى للرحمة والإعانة . وكقوله تعالى : ( فأما من أعطى وأتقى ) . وقوله : ( وأنه هو أغنى وأقنى ) .
البرهان — صفحة 177 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم