تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
كالمتكرر ، فحذف وفسر بقوله : ( ليطفئوا نور الله بأفواههم ) ، وكان في الحذف تنبيه على هذا المعنى الغريب . وينبغي أن يتمهل في تقدير مفعول المشيئة ، فإنه يختلف المعنى بحسب التقدير ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) ، فإن التقدير كما قاله عبد القاهر الجرجاني : ولو شئنا أن نؤتي كل نفس هداها لآتيناها ، لا يصح إلا على ذلك ، لأنه إن لم يقدر هذا المفعول أدى والعياذ بالله إلى أمر عظيم ، وهو نفي أن يكون لله مشيئة على الإطلاق ، لأن من شأن " لو " أن يكون الإثبات بعدها نفيا ، ألا ترى أنك إذا قلت : لو جئتني أعطيتك ، كان المعنى على أنه لم يكن مجئ ولا إعطاء ، وأما قوله تعالى : ( ولو شئنا لرفعناه بها ) فقدره النحويون : فلم نشأ فلم نرفعه . وقال ابن الخباز : الصواب أن يكون التقدير " فلم نرفعه فلم نشأ " ، لأن نفي اللازم يوجب نفي الملزوم ، فوجود الملزوم يوجب وجود اللازم ، فيلزم من وجود المشيئة وجود الرفع ، ومن نفي الرفع نفي المشيئة ، وأما نفي الملزوم فلا يوجب نفي اللازم ، ولا وجود اللازم وجود الملزوم . انتهى . ويؤيده قوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) ، فإن المقصود انتفاء وجود الآلهة لانتفاء لازمها وهو الفساد . ويمكن توجيه كلام النحويين بأنهم جعلوا الأول شرطا للثاني ، لأنهم عدوا " لو " من حروف الشرط ، وانتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط . وقد يكون الشرط مساويا للمشروط ، بحيث يلزم من وجوده وجود المشروط ، ومن عدمه عدمه . والمقصود في الآية تعليل عدم الرفع بعدم المشيئة لا العكس .