ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز ، واختلفوا في إعجازه ، فقيل : إن التحدي :
وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات ، وإن العرب كلفت في ذلك مالا تطيق ،
وفيه وقع عجزها . والجمهور على أنه إنه إنما وقع بالدال على القديم ( 1 ) وهو الألفاظ .
فإذا ثبت ذلك فاعلم أنه لا يصح التحدي بشئ مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها
التحدي ، ولا يتجه قول القائل لمثله : إن صنعت خاتما كنت قادرا على أن تصنع مثله ،
إلا بعد أن يمكنه من الجهة التي تدعى عجز المخاطب عنها ، فنقول : الإعجاز في القرآن
العظيم إما أن يعنى بالنسبة إلى ذاته ، أو إلى عوارضه من الحركات والتأليف ، أو إلى مدلوله ،
أو إلى المجموع ، أو إلى أمر خارج عن ذلك ، لا جائز أن يكون الإعجاز حصل من جهة
ذوات الكلم المفردة فقط ، لأن العرب قاطبة كانوا يأتون بها ، ولا جائز أن يكون الإعجاز
وقع بالنسبة إلى العوارض من الحركات والتأليف فقط ، لأنه يحوج إلى ما تعاطاه مسيلمة
من الحماقة : ( إنا أعطيناك الجواهر - فصل لربك وهاجر - إن شانئك هو الكافر ) .
ولو كان الإعجاز راجعا في الإعراب والتأليف المجرد لم يعجز صغيرهم عن تأليف ألفاظ
معربة فضلا عن كبيرهم ، ولا جائز أن يقع بالنسبة إلى المعاني فقط ، لأنها ليست من صنيع
البشر ، وليس لهم قدرة على إظهارها ، من غير ما يدل عليها ، ولا جائز أن ترجع إلى المجموع
لأنا قد بينا بطلانه بالنسبة إلى كل واحد ، فيتعين أن يكون الإعجاز لأمر خارج غير ذلك .
[ بيان الأقوال المختلفة في وجوه الإعجاز ]
وقد اختلف فيه على أقوال :
أحدهما - وهو قول النظام ( 2 ) : إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم ، وكان
البرهان — صفحة 93
مساهمون: الزركشي
ص٩٣