أن الكتاب آية من آياته ، وأنه كاف في الدلالة ، قائم مقام معجزات غيره وآيات سواه
من الأنبياء .
ولما جاء به صلى الله عيه وسلم إليهم - وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء -
تحداهم على أن يأتوا بمثله ، وأمهلهم طول السنين ( 1 فلم يقدروا ، يقال تحدى فلان فلانا
إذا دعاه إلى أمر ليظهر عجزه فيه ونازعه الغلبة في قتال أو كلام غيره ، ومنه أنا حدياك ، أي
أبرز لي وحدك .
واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدى العرب قاطبة بالقرآن حين قالوا : افتراه . فأنزل
الله عز وجل عليه : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ) ( 2 ) فلما عجزوا
عن الإتيان بنشر سور تشاكل القرآن ، قال تعالى : ( قل فأتوا بسورة من مثله ) ( 3 ) ،
ثم كرر هذا فقال : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ( 3 )
أي من كلام مثله ، وقيل : من بشر مثله ، ويحقق القول الأول الآيتان السابقتان ، فلما
عجزوا عن أن يأتوا بسورة تشبه القرآن على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء 1 ) ، قال : ( قل لئن
اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان
بعضهم لبعض ظهيرا " ) ( 4 ) ، فقد ثبت أنه تحداهم به ، وأنهم لم يأتوا بمثله لعجزهم عنه ،
لأنهم لو قدروا على ذلك لفعلوا ، ولما عدلوا إلى العناد تارة والاستهزاء أخرى ، فتارة
قالوا : ( سحر ) وتارة قالوا : ( شعر ) وتارة قالوا : ( أساطير الأولين ) كل ذلك من
التحير والانقطاع .
البرهان — صفحة 91
مساهمون: الزركشي
ص٩١