فعرضوا عليه البداءة بالإلقاء على عادة العلماء والصناع في تأدبهم مع قرنائهم . ومن ثم قيل :
تأدبوا تهذبوا .
وأجيب بأنه إنما لم يؤكد في الآية لأنه استغنى عن التأكيد بالتصريح بالأولية في
قوله : ( وإما أن نكون أول من ألقي ) ، وهذا جواب بياني لا نحوي .
فإن قيل : ما وجه هذا الإطناب ؟ وهلا قالوا : ( إما أن تلقى وإما أن نلقى ) ؟ .
فالجواب من وجهين :
أحدهما : لفظي ، وهو المزاوجة لرؤوس الآي على سياق خواتمها ، من أول السورة
إلى آخرها .
والثاني : معنوي ، وهو أنه سبحانه أراد أن يخبر عن قوة أنفس السحرة واستطالتهم
عند أنفسهم على موسى ، فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفى منه في إسنادهم الفعل إليه .
ذكر ذلك ابن جني في " خاطرياته " ثم أورد سؤالا " وهو : إنا نعلم أن السحرة لم
يكونوا أهل لسان فيذهب بهم هذا المذهب من صيغة الكلام ! وأجاب بأن جميع ما ورد
في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو من معروف معانيهم ،
وليست بحقيقة ألفاظهم ، ولهذا لا يشك في أن قوله تعالى : ( قالوا إن هذان لساحران يريدان
أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ) أن هذه الفصاحة
لم تجر على لغة العجم .
التاسع : تصدير الجملة بضمير مبتدأ يفيد التأكيد ، ولهذا قيل بإفادة الحصر ، ذكره
الزمخشري في مواضع من كشافه .
البرهان — صفحة 412
مساهمون: الزركشي
ص٤١٢