تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
تنبيه [ في أن معرفة مقامات الكلام لا تدرك إلا بالذوق ] ذكر ابن أبي الحديد : اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح ، والرشيق ولم والرشق ، والجلي والأجلى ، والعلى والأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق ، ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه ، وهو بمنزلة جاريتين : إحداهما بيضاء مشربة حمرة ، ودقيقة الشفتين ، نقية الشعر ، كحلاء العين ، أسيلة الخد ، دقيقة الأنف ، معتدلة القامة . والأخرى دونها في هذه الصفات والمحسن ، لكنها أحلى في العيون والقلوب منها ، وأليق وأملح ، ولا يدرى لأي سبب كان ذلك ، لكنه بالذوق والمشاهدة يعرف ، ولا يمكن تعليله ، وهكذا الكلام ، نعم يبقى الفرق بين الوصفين أن حسن الوجوه وملاحتها ، وتفضيل بعضها يدركه كل من له عين صحيحة ، وأما الكلام فلا يعرفه إلا بالذوق ، وليس كل من اشتغل بالنحو أو باللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق ، وممن يصلح لانتقاد الكلام ، وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر ، وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة ، فإلى أولئك ينبغي أن يرجع في معرفة الكلام ، وفضل بعضه على بعض .
البرهان — صفحة 124 | الزركشي / محمد أبو الفضل إبراهيم