تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
مقام محذور ، لا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ، [ فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يشك أحد في فصاحته ] . ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح ، وإن كان غيره أفصح منه ، فإنا لا ندعى أن كل ما في القرآن على أرفع الدرجات في الفصاحة . وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين في كتاب " المجاز " وأورد سؤالا فقال : فإن قلت : فلم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح والأملح ؟ وقال فيه إشكال يسر الله حله . قال القاضي صدر الدين موهوب الجزري رحمه الله : وقد وقع لي حل هذا الإشكال بتوفيق الله تعالى فأقول : البارئ جلت قدرته ، له أساليب مختلفة على مجارى تصريف أقداره فإنه كان قادرا على إلجاء المشركين إلى الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية " فظلت أعناقهم لها خاضعين ) ، ولكنه سبحانه أرسل رسوله على أساليب الأسباب والمسببات ، وجارى العوائد الواقعة من أهل الزمان ، ولذلك تكون حروب الأنبياء سجالا بينهم وبين الكفار ، ويبتدئ أمر الأنبياء بأسباب خفيفة ، ولا تزال تنمى وتشتد ، كل ذلك يدل على أن أساليبهم في الإرسال على ما هو المألوف والمعتاد من أحوال غيرهم . إذا عرف ذلك كان مجئ القرآن بغير الأفصح والأملح جميعه ، لأنه تحداهم بمعارضته على المعتاد فلو وقع على غير المعتاد لكان ذلك نمطا " غير النمط الذي أراده الله عز وجل في الإعجاز . ولما كان الأمر على ما وصفنا جاء القرآن على نهج إنشائهم روى الخطب والأشعار وغيرها ، ليحصل لهم التمكن من المعارضة ثم يعجزوا عنها ، فيظهر الفلج بالحجة ، لأنهم لو لم يتمكنوا لكان لهم أن يقولوا : قد أتيت بما لا قدرة لنا عليه ، فكما لا يصح من أعمى معارضة المبصر