تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
في النظر ، لا يحسن من البصير أن يقول : غلبتك أيها الأعمى بنظري ، فإن للأعمى أن يقول : إنما تم لك الغلبة لو كنت قادرا وكان نظرك أقوى من نظري ، فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح المعارضة ! فإن قلت : فلو كانت المعجزة شيئا " لا يقدر عليه البشر ، كإحياء الموتى وأمثاله ، فكيف كان ذلك أدعى إلى الانقياد قلت : هذا السؤال سبق الجواب عنه في الكلام ، وإن أساليب الأنبياء تقع على نهج أساليب غيرهم . فإن قلت : فما ذكرته يدل على أن عجز العرب عن معارضته وإنما كانت لصرف دواعيهم ، مع أن المعارضة كانت مقدورة لهم . قلت : قد ذهب بعض العلماء إلى ذلك ، ولكن لا أراه حقا ، ويندفع السؤال المذكور . وإن كان الإعجاز في القرآن بأسلوبه الخاص به ، إلا أن الذين قالوا : بأن المعجز فيه هو الصرفة مذهبهم أن جميع أساليبه جميعا ليس على نهج أساليبهم ، ولكن شاركت أساليبهم في أشياء : منها أنه بلغتهم . ومنها أن آحاد الكلمات قد كانوا يستعملونه في خطهم وأشعارهم ، ولكن تمتاز بأمور أخر ، منها غرابة نظمه الخاص الذي ليس مشابها لأجزاء الشعر وأوزانه وهزجه ورجزه وغير ذلك من ضروبه ، فأما توالى نظمه من أوله إلى آخره ، بأن يأتي بالأفصح والأملح ، فهذا مما وقعت فيه المشاركة ، لكلامهم فبذلك امتاز هذا المذهب عن مذهب من يقول : إنه كان جميعه مقدورا لهم وإنما صرفت دواعيهم عن المعارضة . انتهى . وقد سبق اختيار القاضي أنه ليس على أساليبهم البتة فيبقى السؤال بحاله .