وقريب محزون لم يمنع ، وآخر شامت ولم يجزع . فعليكم بالجدّ والاجتهاد ، والتّأهّب والاستعداد ، والتّزوّد في منزل الزّاد . ولا تغرّنّكم الحياة الدّنيا كما غرّت من كان قبلكم من الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، الَّذين احتلبوا درّتها ، وأصابوا غرّتها ، وأفنوا عدّتها ، وأخلقوا جدّتها . أصبحت مساكنهم أجداثا
شرح
( وقريب محزون لم يمنع ) الموت عنكم ( واخر شامت ) يفرح بموتكم ( ولم يجزع ) أي لم يحزن حزنا شديدا ( فعليكم بالجد ) في العمل ( والاجتهاد ) في الطاعة ( والتاهب ) أي التهيّ لملاقات الموت ( والاستعداد ) بتحصيل التّقوى التي تنفع في الآخرة ( والتزود ) أي أخذ الزاد اللائق بالآخرة وهو العمل الصالح ( في منزل الزاد ) أي الدنيا .
( ولا تغرّنكم الدنيا ) أي لا تخدعنكم بزخارفها حتى تركنون إليها ( كما غرّت من كان قبلكم ) من البشر ( من الأمم الماضية ) الذين انحرفوا عن سنن الأنبياء ( والقرون الخالية ) الخالية أي الماضية ، وقرون جمع قرن مائة سنة أو ما أشبه ، والظاهر أنه سمى قرنا ، لتقارن اعمار كل جيل في تلك المدة ( الذين احتلبوا ) أي حلبوا ( درتها ) أي لبن الدنيا ، والمراد لذائذها تشبيها لها بالناقة الحلوبة .
( وأصابوا غرتها ) أي غفلتها ، فكانّهم أصابوا ان الدنيا غافلة عنهم ، لا تريد بهم شرّا ، ولذا تمتعوا بلذائذها غافلين من أنها فاطنة وستنتقم منهم ( وافنوا عدتها ) أي أيامها العديدة ، كناية عن بقائهم فيها مدّة مديدة ( واخلقوا جدتها ) أي جعلوا جديدها - من الشّباب والرياش والأموال وما أشبه - قديما حيث عمروا فيها وتمتعوا بزخارفها ( أصبحت مساكنهم اجداثا ) جمع جدث ، بمعنى : القبر .