وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثّرى وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه ، وارتهنكم ذلك المضجع وضمّكم ذلك المستودع . فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور ، وبعثرت القبور : * ( هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ، ورُدُّوا إِلَى الله مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ، وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) * .
شرح
وقد طحنهم بكلكله البلى ) البلى : الفناء ، وكلكل : الصدر ، كان الفناء القى عليهم صدره ، فصار سببا لتحطَّمهم ، كما تحطم الحنطة ونحوها بالرحى ( وأكلتهم الجنادل ) جمع جندل ، بمعنى : الحجارة ( والثرى ) أي التّراب ، فانّ الانسان يتحوّل إلى التّراب فكان التّراب أكله .
( وكانّ قد صرتم ) أيّها السّامعون ( إلى ما صاروا إليه ) من الفناء ( وارتهنكم ذلك المضجع ) كما يحبس الرّهن في يد المرتهن والمضجع محل الاضطجاع والنّوم ، يعنى القبر ( وضمكم ذلك المستودع ) أي حواكم القبر الَّذي هو محل وديعة أجسادكم ( فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور ) تناهى به الأمر ، أي وصل إلى غايته ، والمراد انتهاء الأمور الَّتي في البرزخ والقبر ، لتأتّى نوبة القيامة وأهوالها .
( وبعثرت القبور ) أي قبلت ثراها وأخرجت الأموات منها ( هناك تبلو ) أي تخبر من قبله سبحانه ( كل نفس ما أسلفت ) في دار الدنيا والمراد الاخبار للجزاء ، كما يقرأ جرم المجرم ليعاقب ، واحسان المحسن لتعطى الجائزة ( وردوا إلى اللَّه ) أي إلى جزائه وحسابه ( مولاهم الحق ) فانّه سبحانه ربّهم لا غيره ( وضلّ عنهم ) أي عن عبدة الأصنام ( ما كانوا يفترون ) إذ يجعلونها شركاء له سبحانه .