ورأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا ، فكلتا الغايتين مدّت لهم إلى مباءة ، فاتت مبالغ الخوف والرّجاء . فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ولئن عميت آثارهم ، وانقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر
شرح
( وراوا من آياتها ) أي علاماتها والأشياء المهمّة من تلك الدّار ( أعظم ممّا قدّروا ) فانّ الانسان مهما قدّر أحوال الآخرة ، إذا وصل إليها رآها أعظم ممّا قدّر ، لأن ذلك عالم وسيع ، نسبته إلى الدنيا كنسبة الدنيا إلى الرحم .
( فكلتا الغايتين ) أي الجنّة والنّار ( مدّت لهم إلى مباءة ) المبائة : مكان التبوء والاستقرار ، أي انّ الانسان يمدّ في عمره إلى تلك الغاية ، فاسناد الامتداد إلى الغاية مجاز ، وانّما الأسناد حقيقة إلى مدّة بقاء الانسان في الدنيا المنتهية تلك المدة إلى الغاية - وجاز الاسناد المجازى الملازمة بين المدة وبين الغاية ، وإذا أريد الحقيقة قيل فكلتا المدتين مدت لهم إلى مبائة .
( فاتت ) تلك المبائة ( مبالغ الخوف والرّجاء ) فان الجنة فوق رجاء الانسان ، والنّار فوق خوف الانسان ، فالمبائة التي هي محل الاستقرار أعظم مما نتصوره نحن في الدنيا ، فان مبلغ خوفنا هنا لا يصل إلى واقع النار العظيمة الخارجة عن التّصور ، فإذا راينأها وجدناها أكثر خوفا مما كنا نخاف منها ، وهكذا الجنة بالنسبة إلى الرجاء .
( فلو كانوا ) هؤلاء الأموات ( ينطقون بها ) أي بتلك المبائة - بان أذنوا في أن يصفوا لنا مقدار الخوف من النار والرجاء للجنة - ( لعيوا ) أي عجزوا ( بصفة ) أي بان يصفوا ( ما شاهدوا وما عاينوا ) من أهوال النار ونعيم الجنة إذ انهما فوق الوصف ( ولئن عميت آثارهم ) أي انقطعت عن كل اثر عن الأموات .
( وانقطعت اخبارهم ) فلا يخبرون بشئ ( لقد رجعت فيهم أبصار العبر )