وهم والنّار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم . أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها .
شرح
النعمة رتبة من رتب التنعم ( وهم والنّار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون ) على غرار ما ذكر في الجنّة .
( قلوبهم محزونة ) لأنهم لا يدرون ما ذا يصنع بهم ، وهذا لا ينافي قوله تعالى : * ( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * لأنّ ذلك الحزن على الأمور الدّنيوية ، والحزن في أمر الآخرة ، الذي يلازم العصات ، والحزن هنا ما يلازم المتّقين من جهة الدّرجات وما أشبه ( وشرورهم مأمونة ) يامن النّاس شرّهم ، لأنهم لا ياذون أحدا ( وأجسادهم نحيفة ) لكثرة تفكرهم وعملهم ، وقلَّة أكلهم ، فانّ ذلك كلَّه يوجب نحافة الجسم .
( وحاجاتهم خفيفة ) إذ المؤمن لا يرغب في كثير من الدنيا حتى تكون حاجته إليها كثيرة ( وأنفسهم عفيفة ) عفّت عن الآثام والمعاصي وتنزّهت من ارتكاب المحرمات ( صبروا أيّاما قصيرة ) أي أيام الدنيا ( اعقبتهم ) تلك الأيّام أي الصّبر فيها ( راحة طويلة ) في الآخرة لهم ( تجارة مربحة ) فانّ عمل الانسان في الدّنيا في حكم التّجارة ، إذ يعمل هنا ، ويأخذ هناك .
( يسّرها ) أي سهّل هذه التجارة ( لهم ربهم ) إذ جعل الثواب بإزاء العمل ، وبيّن ذلك لهم بسبب الأنبياء ( إرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ) بمعنى انّهم اعرضوا عن الدنيا ، ولم يصرفوا وقتهم في تحصيلها ، وانما صرفوه في تحصيل الآخرة .
( واسرتهم ) أي جعلتهم الدّنيا أسيرا لنفسها ( ففدوا أنفسهم منها )