أمّا بعد ، فإنّ اللَّه - سبحانه وتعالى - خلق الخلق حين خلقهم غنيّا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه . فقسم بينهم معيشتهم ، ووضعهم من الدّنيا مواضعهم . فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل : منطقهم الصّواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التّواضع . غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللَّه عليهم ،
شرح
( اما بعد ) أي بعد الحمد والصّلاة ( فانّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيّا عن طاعتهم ) أي لم يكن محتاجا لطاعتهم ( آمنا من معصيتهم ) فلم يكن يخاف من عصيانهم ( لأنه لا تضرّه معصية من عصاه ) وانّما تضرّ المعصية ذات العاصي ( ولا تنفعه طاعة من أطاعه ) وانّما تنفع الطَّاعة نفس المطيع .
( فقسم بينهم معيشتهم ) أي ارزاقهم التي يعيشون بها ( ووضعهم من الدّنيا مواضعهم ) أي جعل كلّ واحد من النّاس في الموضع اللَّائق به ، بحيث ان بمثل هذه المواضع تدار أمور الكون .
( فالمتّقون فيها ) أي في الدّنيا ( هم أهل الفضائل ) الَّتي تزين الانسان وتحلَّيه ( منطقهم الصّواب ) أي كلامهم صواب لا هذر ولا محرم فيه ، والمنطق مصدر ميمي ، بمعنى : النطق .
( وملبسهم ) أي لباسهم ( الاقتصاد ) فالاقتصاد في الأمور ، والتّوسّط بلا زيادة ونقيصة ، كاللَّباس لهم الَّذي به يعرف الانسان ، ويحتمل ان يكون المراد انهم متوسطون في ثيابهم ، لا يلبسون غاليا ، ولا مبتذلا ( ومشيتهم التواضع ) أي يمشون في الأرض متواضعين ، أو المراد بالمشي السلوك ، فانّ الانسان المتواضع قلبه يتواضع في كل سلوكه .
( غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللَّه عليهم ) اما المراد غض البصر ( خفوضوها وغمضوها ) عن مثل النظر إلى