ولو أراد اللَّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول رواؤه ، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه ، لفعل . ولو فعل لظلَّت له الأعناق خاضعة ، ولخفّت البلوى فيه على الملائكة . ولكنّ اللَّه سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله ، تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم . فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس إذ أحبط عمله الطَّويل ، وجهده
شرح
( ولو أراد اللَّه ان يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ) خطف البصر كناية عن عدم تمكنه من الرؤية ، كانّها مخطوفة في عدم انتفاع صاحبها بها ( ويبهر ) أي يورث تعجّب ( العقول ) وحيرتها ( رواؤه ) أي حسن منظره ( و ) من ( طيب يأخذ الأنفاس عرفه ) أي رائحته ، إذا كانت شديدة الطَّيب أخذت بالنّفس ، فلا يتمكن الانسان الشام لها ان يتنفّس بسهولة ، لأنّ الهواء النّقى النّافعة للرئة يخلطها العصر الَّذي لا تهضمه الرّئة ( لفعل ) جواب « لو » .
( ولو فعل ) سبحانه ذلك ( لضلَّت له الأعناق خاضعة ) أي خاضعة لآدم عليه السلام طبيعة لا حسب أمره سبحانه ، وبذلك لم يكن امتحان في خضوعهم لآدم ( ولخفت البلوى ) أي الابتلاء ( فيه ) أي في آدم عليه السلام ( على الملائكة ) فلم يكونوا يترفعون عن السجدة لآدم ( ولكنّ الله سبحانه يبتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله ) حتى يتبيّن المطيع منهم من العاصي .
( تمييزا ) أي لأجل التّمييز بينهم ( بالاختبار لهم ) أي بالامتحان لهم ( ونفيا للاستكبار عنهم ) فانّ الانسان إذا اعتاد إطاعة الأوامر ، ذابت في نفسه ملكة التّكبّر ( وابعاد للخيلاء ) هو الكبر والاختيال ( منهم ) أي من الخلق .
( فاعتبروا ) أيّها النّاس ( بما كان من فعل اللَّه بإبليس إذ أحبط عمله الطَّويل ) ومعنى الاحباط محو الحسنات ، لما فعل من السّيّئة ( وجهده