من حضنها ، فكانت كيوم مضى ، أو شهر انقضى ، وصار جديدها رثّا ، وسمينها غثّا ، في موقف ضنك المقام ، وأمور مشتبهة عظام ، ونار شديد كلبها ، عال لجبها ، ساطع لهبها ، متغيّظ زفيرها ، متأجّج سعيرها ، بعيد خمودها ، ذاك وقودها ، مخيف وعيدها ، غم قرارها ، مظلمة أقطارها ، حامية قدورها ،
شرح
أخرجت الدنيا ، الناس ( من حضنها ) كما تخرج المرأة الولد من حضنها ( فكانت ) الدنيا - إذا فكر فيها المفكر - ( كيوم مضى ) إذ لا اثر له ( أو شهر انقضى ) إذ تم وانصرم ، فيقول الانسان في الآخرة ، مضت الدنيا وتمت .
( وصار جديدها ) أي ما كان جديدا فيها ( رثا ) أي باليا قديما ( وسمينها ) أي ما عد ثمينا نافعا في الدنيا ( غثا ) أي مهزولا تافها .
حيث يصل الانسان ( في موقف ضنك المقام ) أي ضيّق محلَّه ، ضيقا حسيا ، أو ضيّقا معنويا لما ينال الانسان من الضيق بسبب المخاوف والأهوال ( وأمور مشتبهة ) لا يعرف الانسان أيها تصل إليه ( عظام ) جمع عظيم ( ونار شديد كلبها ) الكلب أكل بغير شبع ، كانّ النار تأكل بلا شبع كلما يلقى فيها ( عال لجبها ) أي صياحها واضطرابها ( ساطع لهبها ) أي شعلتها ( متغيظ زفيرها ) التغيظ الهيجان ، والزفير صوت رفد النار ( متأجج ) أي مشتعلة ( سعيرها ) أي لهبها ( بعيد خمودها ) كنّ بذلك عن عدم خمودها ، إذ هي دائمة أبدية ( ذاك ) من زكت النار إذا اشتد لهبها ( وقودها ) أي ما يوقد به النار ، فإنه ملتهب مشتعل ( مخيف وعيدها ) أي يخيف الانسان الوعيد بالنار .
( غمّ ) صفة من غمّه إذا غطَّاه ( قرارها ) أي محل الاستقرار فيها ، أي مستو ، أو مغطى آخر النار الذي يسكن فيه المجرمون ( مظلمة أقطارها ) أي أطرافها ، فلا يرى الانسان فيها شيئا ( حامية قدورها ) المنصوبة لأجل ارواء الظمآن من أهل النار