وأوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه . وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم ، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم فكفى واعظا بموتي عاينتموهم ، حملوا إلى قبورهم غير راكبين ، وأنزلوا فيها غير نازلين ، فكأنّهم لم يكونوا للدّنيا عمّارا ، وكأنّ الآخرة لم تزل لهم دارا . أوحشوا ما كانوا يوطنون ، وأوطنوا ما كانوا يوحشون ،
شرح
( وأوصيكم بذكر الموت ) بان تذكرون دائما ( واقلال الغفلة عنه ) أي اقلوا من الغفلة ، بان يكون أكثر اوقاتكم مصروفا في ذكره ( وكيف غفلتكم عمّا ) أي عن الموت الَّذي ( ليس يغفلكم ) يقال أغفله إذا سها عنه ، أي لا يسهو الموت عنكم ، بل يأتيكم وان كنتم عنه غافلين ( و ) كيف ( طمعكم فيمن ليس يمهلكم ) فان الانسان يطمع في ابتعاد الموت عنه ، والحال ان الموت إذا جاءه لا يمهله ولو لحظة واحدة .
( فكفى واعظا ) لكم ( بموتي ) جمع ميت ( عاينتموهم ) أي رأيتموهم ( حملوا إلى قبورهم غير راكبين ) أي لم يركبوا أكتاف الناس باختيارهم ، وانما قهرا عليهم ، ودون إرادتهم ( وأنزلوا فيها ) أي في القبور ( غير نازلين ) باختيارهم ، بل جبرا وكرها .
( فكانّهم لم يكونوا للدّنيا غمّارا ) جمع عامر ، فقد انقطع اثرهم ( وكانّ الآخرة لم تزل لهم دارا ) أي كانّهم من القديم في الآخرة ، إذ قد محت آثارهم عن الدنيا ( أو حشوا ما كانوا يوطنون ) أي الأمكنة التي اتخذوها أوطانا لهم في حياتهم ، أو حشوها ، أي جعلوها موحشة فهم ، لا انس لهم بها ، ولا انس لها بهم ، إذ تركوها وهجروها ( واوطنوا ما كانوا يوحشون ) أي القبور التي كانت موحشة منهم ، لا تألفهم ، ولا يألفونها ، صارت أوطانهم - من اوحشه إذا هجره - .