ووجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب إذ أمر بالمضيّ على إرادته ، وكيف وإنّما صدرت الأمور عن مشيئته المنشئ أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربة أفادها من حوادث الدّهور ،
شرح
لحاجات الشيء ( وجهه لوجهته ) أي سيره في المسير اللائق به فيها ( فلم يتعد ) ذلك الشئ الموجه ( حدود منزلته ) أي الحدود التي أنزله الله فيها ( ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ) فان كل شيء من المخلوقات لا بد وان يصل إلى الغاية التي عينها الله سبحانه ، مثلا غاية ارتفاع النخل كذا مترا ، فإنه لا يقصر عن الوصول إلى ذلك الارتفاع الذي عينه الله سبحانه له ( ولم يستصعب ) أي لم ير الأمر صعبا ( إذ أمر بالمضيّ على إرادته ) أي إرادته تعالى - وهذا كسابقه انما هو بالنسبة إلى التكوينيات .
( وكيف ) يتمكن الشيء من مخالفته سبحانه ( وانما صدرت الأمور ) المرتبطة بهذا الشيء ( عن مشيئته ) تعالى ، فإذا لم يشأ شيئا لم يكن له تكون وصدور اطلاقا ( المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر ) الإضافة بيانية ( آل ) الله تعالى ( إليها ) أي إلى تلك الروية ، بخلاف البشر فإنه يعمل الأشياء بعد التفكر فيرجع إلى ما فكر ثم يعمل ( ولا قريحة ) هي ما يقترحه الانسان وينشئه في صقع ذهنه ثم يأتي به خارجا ( غريزة ) هي الصفة المنطبعة في الانسان ( اضمر ) الله تعالى ( عليها ) أي على تلك القريحة بأن أضمر اقتراحا ثم أبداه في حال الوجود .
( ولا تجربة أفادها ) هو بمعنى استفادها ( من حوادث الدهور ) كالانسان الذي يستفيد من الحوادث فيصحح أفكاره وأعماله .