يعتقدها قرارا ، ولا يرجو فيها مقاما ، فأخرجها من النّفس ، وأشخصها عن القلب ، وغيّبها عن البصر . وكذا من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه ، وأن يذكر عنده . ولقد كان في رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - ما يدلَّك على مساوئ الدّنيا وعيوبها : إذ جاع فيها مع خاصّته ،
شرح
يعتقدها قرارا ) أي انها دار قرار وبقاء ، فانّ الانسان إذا تعلَّق قلبه بشئ قويت فيه ملكة التّلاقي معه دائما ( ولا يرجو فيها مقاما ) أي لا يترقّب البقاء والإقامة في الدّنيا ( فأخرجها ) صلَّى اللَّه عليه وآله ( من النّفس ) فلم يكن للدّنيا في نفسه الشّريفة محل واعتبار ( وأشخصها ) أي أبعدها ( عن القلب ) فلم يتعلَّق قلبه المبارك بها ( وغيبها عن البصر ) فلم ينظر إليها ولم يجمع حوله منها ما يقع نظره عليه ( وكذا من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه ) لأنّ النّظر يذكر الانسان به فيهيج فيه عواطف العداء ممّا يوجب أذاه ( وأن يذكر عنده ) لنفس ذلك السّبب : ( ولقد كان في رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - ما يدلَّك على مساوئ الدّنيا ) جمع المسائة ، بمعنى : العيب والنّقص ( وعيوبها ) وهو ضدّ الكمال ، والتّمام ( إذ جاع فيها ) أي في الدّنيا ( مع خاصّته ) أي مع خصوصيّته وفضله عند اللَّه سبحانه ، أو المراد بخاصّته أهله ، الَّذين هم ألصق النّاس به صلَّى اللَّه عليه وآله رحما ، ولو كانت الدّنيا حسنة جميلة عند اللَّه سبحانه لكان نصيب الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله منها أكثر ، لأنه كان أحب الناس إليه تعالى ، والأحب موفور النصيب وافر الحظ .