وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السّلام . فلقد كان يتوسّد الحجر ، ويلبس الخشن ، ويأكل الجشب ، وكان إدامه الجوع ، وسراجه باللَّيل القمر ، وظلاله في الشّتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ،
شرح
تلك السفائف ، ولو كان للدنيا قدر ، لم يتركها مثل داود النبي العظيم عليه السّلام .
( وان شئت ) الزيادة في معرفة ذمّ الدنيا ( قلت في عيسى بن مريم عليه السّلام ) بعض أحواله وزهده في الدنيا ( فلقد كان يتوسّد الحجر ) أي يجعله وسادته ، فيضع رأسه عليه ( ويلبس ) اللَّباس ( الخشن ) غير النّاعم ( ويأكل الجشب ) أي الغليظ من الطعام ( وكان أدامه ) هو الشّئ الَّذي يؤكل مع الخبز ( الجوع ) هذا كناية عن انه لم يكن له ادام ، بل كان يأكل قدرا من الخبز ، ويجوع عوض الادام فالجوع كان يملأ بعض بطنه عوض الادام ، وهذا من بليغ العبارة .
( وسراجه باللَّيل القمر ) إذ لم يكن له مصباح يستضيء بنوره في اللَّيالي ( وظلاله في الشّتاء ) أي ما يظله من البرد ( مشارق الأرض ومغاربها ) ففي الصباح كان يأوى نحو الشّرق حتّى تشرق عليه الشمس ، وفى العصر نحو الغرب حتى لا يحرم من الشمس .
( وفاكهته وريحانه ) الفاكهة الثمار ، كالرمان ، والريحان الخضروات كالفجل ( ما تنبت الأرض للبهائم ) من القت ونحوه ( ولم تكن له زوجة تفتنه ) أي توجب فتنته وامتحانه ( ولا ولد يحزنه ) أي يوجب حزنه ، لمرضه أو ما أشبه